فصل: تفسير الآيات رقم (1 - 6)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏213 - 220‏]‏

‏{‏فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏

يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرًا أنّ مَنْ أشرك به عذبه‏.‏

ثم قال تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه أن ينذر عشيرته الأقربين، أي‏:‏ الأدنين إليه، وأنه لا يُخَلِّص أحدًا منهم إلا إيمانهُ بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين‏.‏ ومن عصاه من خلق الله كائنًا مَنْ كان فليتبرأ منه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏‏.‏ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏ وهذه النِّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال‏:‏ ‏{‏لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏6‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏51‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 97‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏19‏]‏، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏"‏والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار‏"‏‏.‏

وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها‏:‏

الحديث الأول‏:‏ قال الإمام أحمد، رحمه الله‏:‏ حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال‏:‏ لما أنزل الله، عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى‏:‏ ‏"‏يا صباحاه‏"‏‏.‏ فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني‏؟‏‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏"‏‏.‏ فقال أبو لهب‏:‏ تبًّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا‏؟‏ وأنزل الله‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏‏.‏ ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به‏.‏

الحديث الثاني‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم‏"‏‏.‏ انفرد بإخراجه مسلم‏.‏

الحديث الثالث‏:‏ قال أحمد‏:‏ حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏[‏قريشا‏]‏ ، فعمَّ وخصَّ، فقال‏:‏ ‏"‏يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ ‏[‏يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار‏]‏، فإني -والله -ما أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رَحمًا سأبُلها بِبلالها‏"‏‏.‏

ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به ‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ غريب من هذا الوجه‏.‏ ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة ‏.‏ والموصول هو الصحيح‏.‏ وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق -عن أبي الزنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله‏.‏ يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما‏"‏‏.‏

تفرد به من هذا الوجه ‏.‏ وتفرد به أيضا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ‏.‏ ورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لَهِيعة، عن الأعرج‏:‏ سمعت أبا هريرة مرفوعا‏.‏

وقال أبو يعلى‏:‏ حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا ضِمَام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا بني قُصَي، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف‏.‏ أنا النذير والموت المغير‏.‏ والساعة الموعد‏"‏‏.‏

الحديث الرابع‏:‏ قال أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبِيصة بن مُخَارق وزُهَير بن عمرو قالا لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏ صَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَضْمَةً من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي‏:‏ ‏"‏يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ أهله، يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف‏:‏ يا صباحاه‏"‏‏.‏ ورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طِرْخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُل النَّهْديّ، عن قَبِيصة وزُهيَر بن عَمْرو الهلالي، به‏.‏

الحديث الخامس‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك عن الأعمش، عن المْنهَال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي، رضي الله عنه، قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏ جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا قال‏:‏ وقال لهم‏:‏ ‏"‏من يَضْمَنُ عَني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي‏؟‏‏"‏‏.‏ فقال رجل -لم يسمه شريك -يا رسول الله، أنت كنت بحرًا من يقوم بهذا‏؟‏ قال‏:‏ ثم قال الآخر، قال‏:‏ فعرض ذلك على أهل بيته، فقال عَليٌ‏:‏ أنا‏.‏

طريق أخرى بأبسط من هذا السياق‏:‏ قال أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي، رضي الله عنه، قال‏:‏ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم -بني عبد المطلب، وهم رَهْطٌ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفّرَق -قال‏:‏ وصنع لهم مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا -قال‏:‏ وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس‏.‏ ثم دعا بغُمَرٍ فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس -أولم يشرب -وقال‏:‏ ‏"‏يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي‏؟‏‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فلم يقم إليه أحد‏.‏ قال‏:‏ فقمتُ إليه -وكنت أصغر القوم -قال‏:‏ فقال‏:‏ ‏"‏اجلس‏"‏‏.‏ ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي‏:‏ ‏"‏اجلس‏"‏‏.‏ حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي‏.‏

طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر‏:‏ قال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونُس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل -واستكتمني اسمه -عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏عرفت أنّي إن بادأتُ بها قومِي، رأيت منهم ما أكره،فَصَمَتُّ‏.‏ فجاءني جبريل، عليه السلام، فقال‏:‏ يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك‏"‏‏.‏ قال علي، رضي الله عنه‏:‏ فدعاني فقال‏:‏ ‏"‏يا علي، إن الله قد أمرني ‏[‏أن‏]‏ أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فَصَمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال‏:‏ يا محمد، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك‏.‏ فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب‏"‏‏.‏ ففعلتُ فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا‏.‏ فيهم أعمامه‏:‏ أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث‏.‏ فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَةَ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حِذْيَة فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال‏:‏ ‏"‏كلوا بسم الله‏"‏‏.‏ فأكل القومُ حتى نَهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اسقهم يا علي‏"‏‏.‏ فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله‏.‏ فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال‏:‏ لَهَدّ ما سحركم صاحبكم‏.‏ فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما كان الغدُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجلّ قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم‏"‏‏.‏ ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اسقهم يا علي‏"‏‏.‏ فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا‏.‏ وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله‏.‏ فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بَدَره أبو لهب بالكلام فقال‏:‏ لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم‏.‏ فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم‏"‏‏.‏ ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏[‏كما صنع‏]‏ بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا بني عبد المطلب، إني -والله -ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة‏"‏‏.‏

قال أحمد بن عبد الجبار‏:‏ بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث‏.‏ وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله، وزاد بعد قوله‏:‏ ‏"‏إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة‏"‏‏.‏ ‏"‏وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا‏"‏‏؟‏ قال‏:‏ فأحجمالقوم عنها جميعًا، وقلت -وإني لأحدثهم سنًا، وأرمصُهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا‏.‏ أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ يَرْقُبُني ثم قال‏:‏ ‏"‏إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب‏:‏ قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع‏.‏ تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعّفه الأئمة رحمهم الله‏.‏

طريق أخرى‏:‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن مَيْسَرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال‏:‏ قال علي رضي الله عنه‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ففعلت، ثم قال‏:‏ ‏"‏ادع بني هاشم‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل -أو‏:‏ أربعون ورجل -قال‏:‏ وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذَعَة بإدامها‏.‏ قال‏:‏ فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذرْوَتها ثم قال‏:‏ ‏"‏كلوا‏"‏، فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يرزؤوا منها إلا يسيرًا، قال‏:‏ ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رَوُوا‏.‏ قال‏:‏ وفَضَل فَضْلٌ، فلما فرغوا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم، فبدرُوه الكلام، فقالوا‏:‏ ما رأينا كاليوم في السحر‏.‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏"‏اصنع ‏[‏لي‏]‏ رجل شاة بصاع من طعام‏"‏‏.‏ فصنعت، قال‏:‏ فدعاهم، فلما أكلوا وشربوا، قال‏:‏ فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي‏:‏ ‏"‏اصنع ‏[‏لي‏]‏ رجل شاة بصاع من طعام‏.‏ فصنعت، قال‏:‏ فجمعتهم، فلما أكلوا وشربوا بَدَرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام فقال‏:‏ ‏"‏أيكم يقضي عني دَيني ويكون خليفتي في أهلي‏؟‏‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال‏:‏ وسكتُّ أنا لسِنّ العباس‏.‏ ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت‏:‏ أنا يا رسول الله‏.‏ ‏[‏فقال‏:‏ ‏"‏أنت‏"‏‏]‏ قال‏:‏ وإني يومئذ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حَمْش الساقين‏.‏

فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي، رضي الله عنه‏.‏ ومعنى سؤاله، عليه الصلاة والسلام لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله، يعني إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، ولما أنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏67‏]‏، فعند ذلك أمِن‏.‏

وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏‏.‏ ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي، رضي الله عنه؛ ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان بعد هذا -والله أعلم -دعاؤه الناس جَهرًة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا، حتى سَمّى مَنْ سَمَّى من أعمامه وعماته وبناته، لينبه بالأدنى على الأعلى، أي‏:‏ إنما أنا نذير، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏.‏ وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي -غير منسوب -من طريق عمرو بن سَمُرَةَ، عن محمد بن سُوقَةَ، عن عبد الواحد الدمشقي قال‏:‏ رأيت أبا الدرداء، رضي الله عنه، يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له‏:‏ ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين‏؟‏ فقال‏:‏ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون‏"‏‏.‏ وذلك فيما أنزل الله، عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏"‏إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم‏"‏‏.‏ ولهذا قال ‏[‏الله تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏.‏ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.‏ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ في جميع أمورك؛ فإنه مؤيدك وناصرك وحافظك ومظفرك ومُعْلٍ كلمتك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ أي‏:‏ هو معتن بك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏48‏]‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏ يعني‏:‏ إلى الصلاة‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ يرى قيامه وركوعه وسجوده‏.‏

وقال الحسن‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏‏:‏ إذا صليت وحدك‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ‏.‏‏}‏ أي‏:‏ من فراشك أو مجلسك‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ‏}‏‏:‏ قائما وجالسا وعلى حالاتك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏}‏‏:‏ قال قتادة‏:‏ ‏{‏الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ‏.‏ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏}‏ قال‏:‏ في الصلاة، يراك وحدك ويراك في الجَمْع‏.‏ وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أمامه؛ ويشهد لهذا ما صح في الحديث‏:‏ ‏"‏سَوّوا صفوفكم؛ فإني أراكم من وراء ظهري‏"‏‏.‏

وروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية‏:‏ يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجه نبيا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ أي‏:‏ السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ الآية‏.‏ ‏[‏يونس‏:‏61‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏221 - 227‏]‏

‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏

يقول تعالى مخاطبًا لِمَنْ زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس حقا، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئيّ من الجن، فنزه الله، سبحانه، جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو ‏[‏الحق‏]‏ من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قَبيل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم، وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة؛ ولهذا قال الله‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أخبركم‏.‏ ‏{‏عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ‏.‏ تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ كذوب في قوله، وهو الأفاك الأثيم، أي الفاجر في أفعاله‏.‏ فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين كالكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضا كذبة فسقة‏.‏

‏{‏يُلْقُونَ السَّمْعَ‏}‏ أي‏:‏ يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث، كما رواه البخاري، من حديث الزهري‏:‏ أخبرني يحيى بن عُروَةَ بن الزبير، أنه سمع عُرْوَةَ بن الزبير يقول‏:‏ قالت عائشة، رضي الله عنها‏:‏ سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال‏:‏ ‏"‏إنهم ليسوا بشيء‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فَيُقَرقرِها في أذن وليه كقَرْقَرة الدجاجة، فيخلطون معها أكثر من مائه كذبة‏"‏‏.‏

وقال البخاري أيضا‏:‏ حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال‏:‏ سمعت عكرمة يقول‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنها سلسلة على صَفْوان، حتى إذا فُزع عن قلوبهم قالوا‏:‏ ماذا قال ربكم‏؟‏ قالوا للذي قال‏:‏ الحق وهو العلي الكبير‏.‏ فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع، هكذا بعضهم فوق بعض‏"‏‏.‏ ووصف سفيان بيده فَحَرفها، وبَدّدَ بين أصابعه ‏"‏فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر -أو الكاهن -فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة‏.‏ فيقال‏:‏ أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا‏:‏ كذا وكذا‏؟‏ فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء‏"‏‏.‏ انفرد به البخاري‏.‏وروى مسلم من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبًا من هذا‏.‏ وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ‏}‏ الآية ‏[‏سبأ‏:‏23‏]‏، ‏[‏إن شاء الله تعالى‏]‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ وقال الليث‏:‏ حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال‏:‏ أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن الملائكة تَحَدّث في العَنَان -والعَنَان‏:‏ الغَمَام -بالأمر ‏[‏يكون‏]‏ في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرُّها في أذن الكاهن كما تُقَرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة‏"‏‏.‏

وقال البخاري في موضع آخر من كتاب ‏"‏بدء الخلق‏"‏ عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، بنحوه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن‏.‏ وكذا قال مجاهد، رحمه الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ كان الشاعران يتهاجيان، فينتصر لهذا فِئَامٌ من الناس، ولهذا فئَامٌ من الناس، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا لَيث، عن ابن الهاد، عن يُحَنَّس -مولى مصعب بن الزبير -عن أبي سعيد قال‏:‏ بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج، إذ عَرَض شاعر يُنشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خذوا الشيطان -أو امسكوا الشيطان -لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ‏}‏‏:‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ في كل لغو يخوضون‏.‏

وقال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ في كل فن من الكلام‏.‏ وكذا قال مجاهد وغيره‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ قد -والله -رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة فلان، ومرة في مدحة فلان‏.‏

وقال قتادة‏:‏ الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ‏}‏ قال العوفي، عن ابن عباس‏:‏ كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل

واحد منهما غواة من قومه -وهم السفهاء -فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏.‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ‏.‏ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ‏}‏‏.‏‏.‏ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ أكثر قولهم يكذبون فيه‏.‏

وهذا الذي قاله ابن عباس، رضي الله عنه، هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يتَبجَّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم؛ ولهذا اختلف العلماء، رحمهم الله، فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حَدًّا‏:‏ هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا لأنهم يقولون ما لا يفعلون‏؟‏ على قولين‏.‏ وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بَكَّار في كتاب الفكاهة‏:‏ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، استعمل النعمان بن عدي بن نَضْلَة على ‏"‏ميسان‏"‏ -من أرض البصرة -وكان يقول الشعر، فقال‏:‏

ألا هَل أتَى الحَسْنَاءَ أنّ حَليِلَها *** بِمَيْسَانَ، يُسقَى في زُجاج وَحَنْتَم

إذَا شئْتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قَرْيَة *** وَرَقَّاصَةٌ تَجذُو على كل مَنْسم

فإنْ كُنتَ نَدْمانِي فَبالأكْبر اسْقني *** وَلا تَسْقني بالأصْغَر المُتَثَلم

لَعَل أميرَ المؤمنينَ يَسُوءه *** تَنادُمُنا بالجَوْسَق المُتَهَدَم

فلما بلغ ‏[‏ذلك‏]‏ أمير المؤمنين قال‏:‏ أي والله، إنه ليسوءني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته‏.‏ وكتب إليه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏حم‏.‏ تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏.‏ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏1-3‏]‏ أما بعد فقد بلغني قولك‏:‏

لَعَلَّ أمير المُؤمنينَ يَسُوُءه *** تَنَادُمُنَا بالجَوْسق المُتَهَدّم

وايم الله، إنه ليسوءني وقد عزلتك‏.‏ فلما قدم على عمر بَكَّتَه بهذا الشعر، فقال‏:‏ والله -يا أمير المؤمنين -ما شربتها قَطّ، وما ذاك الشعر إلا شيء طَفح على لساني‏.‏ فقال عمر‏:‏ أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي على عمل أبدًا، وقد قُلتَ ما قلتَ‏}‏‏.‏

فلم يُذكر أنه حَدّه على الشراب، وقد ضمنه شعره؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمَّه عمر، رضي الله عنه، ولامه على ذلك وعزله به‏.‏ ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعرًا‏"‏‏.‏

والمراد من هذا‏:‏ أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛ لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏69‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏.‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ‏.‏ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ‏.‏ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏40-43‏]‏، وهكذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏.‏ نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ‏.‏ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏.‏ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ‏.‏ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ‏.‏ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ‏.‏ تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏.‏ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ‏.‏ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏.‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ‏.‏ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏‏:‏ قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي الحسن سالم البَرّاد -مولى تميم الداري -قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يبكون فقالوا‏:‏ قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء‏.‏ فتلا النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏أنتم‏"‏، ‏{‏وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏أنتم‏"‏، ‏{‏وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏أنتم‏"‏‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏ وابن جرير، من رواية ابن إسحاق‏.‏

وقد روى ابن أبي حاتم أيضا، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرؤها عليهما‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏، قال‏:‏ ‏"‏أنتم‏"‏‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عُرْوَة، عن عروة قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ‏}‏ قال عبد الله بن رواحة‏:‏ يا رسول الله، قد علم الله أني منهم‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ينقلبون‏}‏‏.‏

وهكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم‏.‏ ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية ‏[‏في‏]‏ شعراء الأنصار‏؟‏ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَنْ كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في

مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه، كما قال عبد الله بن الزبَعْرَى حين أسلم‏:‏

يَا رَسُولَ المَليك، إنّ لسَاني *** رَاتقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أنا بُور

إذْ أجَاري الشَّيْطانَ في سَنن الغَيْ *** يِ وَمَن مَالَ مَيْلَه مَثْبُور

وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عمه، وأكثرهم له هجوًا، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كان يهجوه، ويتولاه بعدما كان قد عاداه‏.‏ وهكذا روى مسلم في صحيحه، عن ابن عباس‏:‏ أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال‏:‏ يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏‏.‏ قال‏:‏ معاوية تجعله كاتبا بين يديك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وتُؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏‏.‏ وذكر الثلاثة‏.‏

ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ ذكروا الله كثيرًا في كلامهم‏.‏ وقيل‏:‏ في شعرهم،وكلاهما صحيح مُكَفّر لما سبق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين‏.‏ وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد‏.‏ وهذا كما ثبت في الصحيح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان‏:‏ ‏"‏اهجهم -أو قال‏:‏ هاجهم -وجبريل معك‏"‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله، عز وجل، قد أنزل في الشعّر ما أنزل، فقال‏:‏ ‏"‏إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نَضْح النبْل‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏52‏]‏ وفي الصحيح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة‏"‏‏.‏

وقال قتادة بن دِعَامَة في قوله‏:‏ ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ من الشعراء وغيرهم‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا إياس بن أبي تميمة، قال‏:‏ حضرت الحسن وَمُرَّ عليه بجنازة نصراني، فقال الحسن‏:‏ ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏‏.‏

وقال عبد الله بن رَبَاح، عن صفوان بن مُحْرز‏:‏ أنه كان إذا قرأ هذه الآية -بكى حتى أقول‏:‏ قد اندق قَضِيب زَوره -‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏‏.‏

وقال ابن وهب‏:‏ أخبرني ابن سُرَيج الإسكندراني، عن بعض المشيخة‏:‏ أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها -أو‏:‏ يصطلون -إذا بركاب قد أقبلوا، فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عبُيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم -قال‏:‏ وصاحب لنا قائم يصلي -قال حتى مَرّ بهذه الآية‏:‏ ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏ قال فضالة بن عبيد‏:‏ هؤلاء الذين يخربون البيت‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بهم أهل مكة‏.‏ وقيل‏:‏ الذين ظلموا من المشركين‏.‏ والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم، كما قال ابن أبي حاتم‏:‏ ذُكر عن زكريا بن يحيى الواسطي‏:‏ حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجير حدثنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت‏:‏ كتب أبي وصيته سطرين‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قُحَافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويَصدُق الكاذب‏:‏ إني استخلفت عليكم عُمَر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن يَجُر ويبدل فلا أعلم الغيب، ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏‏.‏

آخر تفسير سورة ‏"‏الشعراء‏"‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏

سورة النمل

وهي مكية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏1 - 6‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏

قد تقدم الكلام في ‏"‏سورة البقرة‏"‏ على الحروف المتقطعة في أوائل السُّوَر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تِلْكَ آيَاتُ‏}‏ أي‏:‏ هذه آيات ‏{‏الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ بين واضح‏.‏

‏{‏هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لِمَنْ آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 97‏]‏؛ ولهذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها ‏{‏زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتيهون في ضلالهم‏.‏ وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 110‏]‏، ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا والآخرة، ‏{‏وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ‏}‏ يا محمد - قال قتادة‏:‏ ‏{‏لَتُلَقَّى‏}‏ أي‏:‏ لتأخذ‏.‏ ‏{‏الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ من عند حكيم عليم، أي‏:‏ حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا ‏[‏لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ‏]‏‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 115‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7 - 14‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله وكلمه، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي‏:‏ رأى نارًا تأجج وتضطرم، فقال ‏{‏لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ‏}‏ أي‏:‏ عن الطريق، ‏{‏أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ تتدفؤون به‏.‏ وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ أي‏:‏ فلما أتاها رأى منظرًا هائلا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء‏.‏

قال ابن عباس وغيره‏:‏ لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يَتَوَهَّج‏.‏

وفي رواية عن ابن عباس‏:‏ نور رب العالمين‏.‏ فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي أن بورك من في النار‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏[‏أي‏]‏ قُدّس‏.‏

‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ أي‏:‏ من الملائكة‏.‏ قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -‏[‏و‏]‏ هو الطيالسي -حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مُرَّة، سمع أبا عُبَيْدة يحدث، عن أبي موسى، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل ‏.‏ زاد المسعودي‏:‏ ‏"‏وحجابه النور -أو النار -لو كشفها لأحْرَقَتْ سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره‏"‏‏.‏ ثم قرأ أبو عُبَيْدة‏:‏ ‏{‏أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مُرَّة، به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذي يفعل ما يشاء ولا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز، الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله‏.‏

ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء‏.‏ فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ‏}‏ والجان‏:‏ ضرب من الحيات، أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا -وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنَّان البيوت -فلما عاين موسى ذلك ‏{‏وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ‏}‏ أي‏:‏ لم يلتفت من شدة فرقه ‏{‏يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على ‏[‏عمل‏]‏ شيء ثم أقلع عنه، ورجع وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 82‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 110‏]‏ والآيات في هذا كثيرة جدًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ‏}‏ هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْق من جعل له معجزة، وذلك أن الله -تعالى -أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ كالبرق الخاطف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِي تِسْعِ آيَاتٍ‏}‏ أي‏:‏ هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن، وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏‏.‏

وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 101‏]‏ كما تقدم تقرير ذلك هنالك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً‏}‏ أي‏:‏ بينة واضحة ظاهرة،

‏{‏قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ وأرادوا معارضته بسحرهم فغلبوا ‏[‏هنالك‏]‏ ‏{‏وانقلبوا صاغرين‏}‏‏.‏

‏{‏وَجَحَدُوا بِهَا‏}‏ أي‏:‏ في ظاهر أمرهم، ‏{‏وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جَحَدوها وعاندوها وكابروها، ‏{‏ظُلْمًا وَعُلُوًّا‏}‏ أي‏:‏ ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، ‏{‏وَعُلُوًّا‏}‏ أي‏:‏ استكبارًا عن اتباع الحق؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ أي‏:‏ انظر يا محمد كيف كان عاقبة كُفرهم، في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة‏.‏

وفحوى الخطاب يقول‏:‏ احذروا أيها المكذبون بمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15 - 19‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ‏}‏

يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان، عليهما من الله السلام، من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام ‏:‏ أخبرني أبي، عن جدي قال‏:‏ كتب عمر بن عبد العزيز‏:‏ إن الله لم ينعم على عَبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان حَمْدُه أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل؛ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏، وأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان، عليهما السلام‏؟‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ‏}‏ أي‏:‏ في الملك والنبوة، وليس المراد وراثَةَ المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائةُ امرأة‏.‏ ولكن المراد بذلك وراثةُ الملك والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏[‏في قوله‏]‏ ‏:‏ نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ‏.‏

وقوله ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ، أي‏:‏ أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سَخَّر له الإنس والجن والطير‏.‏ وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله‏.‏ وَمَنْ زعم من الجهلة والرّعاع أنّ الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس -فهو قولٌ بلا علم‏.‏ ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة؛ إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خُلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال‏.‏ ولكن الله، سبحانه وتعالى، كان قد أفهم سليمان، عليه السلام، ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ مما يحتاج إليه الملك، ‏{‏إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏}‏ أي‏:‏ الظاهر البين لله علينا‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كان داود، عليه السلام، فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لِمَنْ في البيت‏:‏ من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة‏؟‏ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود، عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب‏.‏ فقال داود‏:‏ أنت والله إذًا ملك الموت‏.‏ مرحبًا بأمر الله، فتزمل داود، عليه السلام، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان، عليه السلام، للطير‏:‏ أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض،فقال لها سليمان‏:‏ اقبضي جناحا جناحا‏"‏ قال أبو هريرة‏:‏ يا رسول الله، كيف فعلت الطير‏؟‏ فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وغلبت عليه يومئذ المضرَحية ‏.‏

قال أبو الفرج بن الجَوْزيّ‏:‏ المَضْرَحيّة النسور الحُمر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني‏:‏ ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم ‏[‏يكونون‏]‏ في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرًّا أظلته منه بأجنحتها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له‏.‏

قال مجاهد‏:‏ جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ‏}‏ أي‏:‏ حتى إذا مر سليمان، عليه السلام، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، ‏{‏قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ‏}‏‏.‏

أورد ابن عساكر، من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن‏:‏ أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم‏:‏ بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذّيب‏.‏

أي‏:‏ خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها ففهم ذلك سليمان، عليه السلام، منها‏.‏

‏{‏فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ‏}‏ أي‏:‏ ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، ‏{‏وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ‏}‏ أي‏:‏ عملا تحبه وترضاه، ‏{‏وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك‏.‏

ومن قال من المفسرين‏:‏ إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها‏.‏

وعن نَوْف البكالي أنه قال‏:‏ كان نمل سليمان أمثال الذئاب‏.‏ هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت‏.‏ وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم‏.‏

والغرض أن سليمان، عليه السلام، فهم قولها، وتبسم ضاحكًا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدا‏.‏

وقد قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مِسْعَر، عن زيد العَمّي، عن أبي الصديق الناجي قال‏:‏ خرج سليمان عليه السلام، يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول‏:‏ اللهم، إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا‏.‏ فقال سليمان عليه السلام‏:‏ ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم‏.‏

وقد ثبت في الصحيح -عند مسلم -من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏[‏قال‏]‏ قَرَصَت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تُسَبِّح‏؟‏ فهلا نملة واحدة‏!‏‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20 - 21‏]‏

‏{‏وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس وغيره‏:‏ كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، عليه السلام، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان، عليه السلام، الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان، عليه السلام ‏[‏يوما‏]‏، بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، ‏{‏فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ‏}‏‏.‏ حدَّث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له‏:‏ ‏"‏نافع بن الأزرق‏"‏، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له‏:‏ قف يا بن عباس، غُلبت اليوم‏!‏ قال‏:‏ وَلِمَ‏؟‏ قال‏:‏ إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ لولا أن يذهب هذا فيقول‏:‏ رددت على ابن عباس، لما أجبته‏.‏ فقال له‏:‏ ويحك‏!‏ إنه إذا نزل القَدَر عَمي البصر، وذهب الحَذَر‏.‏ فقال له نافع‏:‏ والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا‏.‏

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البَرْزيّ -من أهل ‏"‏بَرْزَةَ‏"‏ من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم ‏[‏يوم‏]‏ الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد‏:‏ أنه سأله عن سبب عَوَره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن وادٍ بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يَعْزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار‏.‏ فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يُخَيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت‏:‏ لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تُري المرآة، ثم قالا لي‏:‏ سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا‏.‏ فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا، حتى مر بي نفر ففَكَّ وَثَاقي‏.‏ فهذا ما كان من خبر عيني‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عَبّاد بن مَيْسَرة المِنْقَرِيّ، عن الحسن قال‏:‏ اسم هدهد سليمان عليه السلام‏:‏ عنبر‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كان سليمان، عليه السلام، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه‏:‏ تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نُوَبٌ من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلّها من حَضَره إلا الهدهد، ‏{‏فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ‏}‏ أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر‏؟‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏‏:‏ قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس‏:‏ يعني نتف ريشه‏.‏

وقال عبد الله بن شداد‏:‏ نتف ريشه وتشميسه‏.‏ وكذا قال غير واحد من السلف‏:‏ إنه نتف ريشه، وتركه مُلْقًى يأكله الذر والنمل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ لأذْبَحَنَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ قتله، ‏{‏أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ بعذر واضح بين‏.‏

وقال سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد‏:‏ لما قدم الهدهد قال له الطير‏:‏ ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك‏!‏ فقال‏:‏ هل استثنى‏؟‏ فقالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏{‏لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ فقال‏:‏ نجوت إذًا‏.‏

قال مجاهد‏:‏ إنما دفع ‏[‏الله‏]‏ عنه ببره بأمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22 - 26‏]‏

‏{‏فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَكَثَ‏}‏ الهدهد ‏{‏غَيْرَ بَعِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان‏:‏ ‏{‏أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، ‏{‏وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏}‏ أي‏:‏ بخبر صدق حق يقين‏.‏

وسبأ‏:‏ هم‏:‏ حِمْير، وهم ملوك اليمن‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ‏}‏، قال الحسن البصري‏:‏ وهي بلقيس بنت شَرَاحيل ملكة سبأ‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كانت أمها جنية، وكان مُؤخَّر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة‏.‏

وقال زهير بن محمد‏:‏ وهي بلقيس بنت شَرَاحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها يلتقة‏.‏

وقال ابن أبى حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان -يعني ابن عيينة -عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ كان مع صاحبة سليمان ألف قَيْل، تحت كل قيل مائة ألف ‏[‏مقاتل‏]‏‏.‏

وقال الأعمش، عن مجاهد‏:‏ كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل‏:‏ مائة ألف مقاتل‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ‏}‏‏:‏ كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل‏.‏ وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء‏.‏

وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، ‏{‏وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏يعني‏:‏ سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ‏.‏

قال زهير بن محمد‏:‏ كان من ذهب صفحتاه، مرمول بالياقوت والزبرجد‏.‏ ‏[‏طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد‏]‏ واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة‏.‏

قال علماء التاريخ‏:‏ وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساءً؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ‏}‏ أي‏:‏ عن طريق الحق، ‏{‏فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏معناه‏:‏ ‏{‏وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ‏}‏‏]‏ أي‏:‏ لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 37‏]‏‏.‏

وقرأ بعض القراء‏:‏ ‏"‏ألا يا اسجدوا لله‏"‏ جعلها ‏"‏ألا‏"‏ الاستفتاحية، و‏"‏يا‏"‏ للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده‏:‏ ‏"‏ألا يا قوم، اسجدوا لله‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏‏:‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ يعلم كل خبيئة في السماء والأرض‏.‏ وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ الخَبْء‏:‏ الماء‏.‏ وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ خبء السموات والأرض‏:‏ ما جعل فيها من الأرزاق‏:‏ المطر من السماء، والنبات من الأرض‏.‏

وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال‏.‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 10‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ أي‏:‏ هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه‏.‏

ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب‏:‏ النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد‏.‏ وإسناده صحيح‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27 - 31‏]‏

‏{‏قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏

يخبر تعالى عن قيل سليمان، عليه السلام، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم‏:‏ ‏{‏قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ أي‏:‏ أصدقت في إخبارك هذا، ‏{‏أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ في مقالتك، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك‏؟‏‏.‏

‏{‏اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ‏}‏‏:‏ وذلك أن سليمان، عليه السلام، كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها‏.‏ وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل‏:‏ في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل‏:‏ بمنقاره‏.‏ وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوّة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ‏}‏ تعني بكرمه‏:‏ ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا‏.‏ وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم‏.‏

‏{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏‏.‏فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبَل لهم به‏.‏ وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حَصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء‏:‏ ولم يكتب أحد ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ قبل سليمان، عليه السلام‏.‏

وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط ، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، ‏[‏عن عبد الكريم‏]‏ أبي أمية، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال‏:‏ كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود‏"‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، أي آية‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت‏:‏ نسي، ثم التفت إلي وقال ‏{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏‏.‏

هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف‏.‏

وقال ميمون بن مِهْرَان‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب‏:‏ باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب‏:‏ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ‏}‏‏:‏ يقول قتادة‏:‏ لا تجيروا علي ‏{‏وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي‏.‏

‏{‏وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ موحدين‏.‏ وقال غيره‏:‏ مخلصين‏.‏ وقال سفيان بن عُيَيْنَة‏:‏ طائعين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 35‏]‏

‏{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏}‏‏.‏

لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ‏}‏ أي‏:‏ حتى تحضرون وتشيرون‏.‏

‏{‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ مَنوا إليها بعَدَدهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا‏:‏ ‏{‏وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ‏}‏ أي‏:‏ نحن ليس لنا عاقة ‏[‏ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة‏]‏ عنه‏.‏ وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا برأيك نمتثله ونطيعه‏.‏

قال الحسن البصري، رحمه الله‏:‏ فوضوا أمرهم إلى عِلْجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه، وما سُخّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم‏:‏ إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا‏}‏‏.‏قال ابن عباس‏:‏ أي إذا دخلوا بلدًا عنْوَة أفسدوه، أي‏:‏ خَرّبوه، ‏{‏وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً‏}‏ أي‏:‏ وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قالت بلقيس‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً‏}‏ ، قال الرب، عز وجل ‏{‏وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}‏‏.‏ ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا‏.‏ قال قتادة‏:‏ رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها‏!‏‏!‏ علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس‏.‏

وقال ابن عباس وغير واحد‏:‏ قالت لقومها‏:‏ إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏‏.‏

ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم‏:‏ أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أرسلت بلَبِنَة من ذهب‏.‏ والصحيح أنها أرسلت ‏[‏إليه‏]‏ بآنية من ذهب‏.‏

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما‏:‏ وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت‏:‏ إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي‏.‏ قالوا‏:‏ فأمرهم ‏[‏سليمان‏]‏ عليه السلام، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تُفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك‏.‏

وقيل‏:‏ بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس‏.‏

وقيل‏:‏ بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم‏.‏ ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم‏.‏

وذكر بعضهم‏:‏ أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك‏.‏ والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات‏.‏ والظاهر أن سليمان، عليه السلام، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم‏:‏ ‏{‏أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ‏}‏ أي‏:‏ أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم‏؟‏‏!‏ ‏{‏فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، ‏{‏بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف‏.‏

قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنه‏:‏ أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة‏.‏ فلما رأت رسلها ذلك قالوا‏:‏ ما يصنع هذا بهديتنا‏.‏ وفي هذا دلالة على جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد‏.‏

‏{‏ارْجِعْ إِلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ بهديتهم، ‏{‏فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا‏}‏ أي‏:‏ لا طاقة لهم بقتالهم، ‏{‏وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ من بلدهم، ‏{‏أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ مهانون مدحورون‏.‏

فلما رجعت إليها رسلُها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام‏.‏ ولما تحقق سليمان، عليه السلام، قدومهم عليه ووفودهم إليه، فرح بذلك وسَرّه‏.‏